في معنى أن تكون مبتعثاً في أمريكا

عندما تطأ قدماك أرض مطار واشنطن للمرة الأولى فإن الهاجس الأكبر في تلك اللحظة هو العبور إلى أمريكا بسلام من منفذ الجوازات، فأمريكا أرض حرية وكرامة، إلى حد ما. بمجرد تجاوز نقطة العبور، تنفتح أمام العابر دوائر التجارب المختلفة التي، من المفترض، أتى لأجلها.

فرصة الحياة في أمريكا فرصة فريدة عجيبة لمضاعفة الخبرات والتجارب في وقت قصير، فالسفر والتعرض للثقافات الأخرى، من أهم العوامل التي تصقل الفكر والتجربة وتعمق الخبرة في دروب الحياة. في أمريكا العديد من النماذج الإنسانية التي تفتح عيني الإنسان على واقع جديد لم يكن يوماً يشعر به أو يدرك بوجوده، وهي أيضاً تبصره بنعم لا يدرك عظمها.

في أمريكا، يدفع الطالب تكلفة تعليمه مما يضطره ذلك للاقتراض والعمل أثناء الدراسة، قابلت إحدى الطالبات، وعلمت منها أنها تدرس في كلية مجتمع، تعمل بعض الأحيان كجليسة أطفال لساعات طوال تصل إلى ٢٠ ساعة متواصلة في بعض الأيام، وخلال عامين لم تستطع سوى دراسة فصل دراسي واحد، استطاعت أن تجمع تكاليفه وتسددها، والأبلغ من ذلك أنها ابنة التاسعة عشرة!

Continue reading

ومضى من العمر سنة في الرياض..

حسناً، لقد مرت سنة لي هنا في الرياض، عاصمة التوحيد، ومأرز الإيمان كما سمعت من خطبائها. سنة مضت بحلوها ومرها، وأعلن في نهايتها أنني فشلت في تقبل العيش والسكنى في الرياض، آمنت أنه ليس لي مكان على ترابها وتحت غبارها.
لن أتطرق في حديثي هنا عن تجربة العمل في سابك، فهي تستحق تدوينات كثيرة، إنما أنا بصدد طرح مقاربة بين تناقضات مدينة الصحراء البنّية، هي بنيّة الأرض والبنيان والسماء أيضاً!!
يكفي الشاب الأعزب المغترب عن أهله هم الغربة وضيق العزوبية لتكون حياته قاسية، فما بالكم إن اجتمعت عزوبية واغتراب لحجازي في الرياض؟!
العزوبية في بلادي أصلاً بلاء، وفي الرياض مصيبة وابتلاء، الأعزب المغترب المسكين من له إلا الله؟! إن هو مكث في الغرفة التي استأجرها بثمن مضاعف فمن ذا الذي يفكر في أن يتصل به؟ ويهتم بأمره؟ أأكل؟ أشرب؟ أمات؟ وإن خرج للشارع، فهو محرمٌ عليه كل شئٍ – تقريباً – إلا مراتع الكافيهات وبعض المطاعم التي لا تحول قسم الشباب إلى عوائل حينما تمتلئ، وبالتأكيد “القهاوي” النتنة.

٥٠ ساعة في الخرطوم

 انطلقت طائرة الخطوط السعودية تحملني إلى الخرطوم صباح يوم الإثنين، لأصل هناك مع بداية اليوم في الثامنة صباحاً، استقبلني ممثل الشركة في السودان وذهبنا إلى فندق روتانا، الاجتماع الأول سيكون في العاشرة مع احدى أكبر شركات السودان، وهي شركة حكومية تنطبق عليها المقاطعة الاقتصادية الأمريكية والتي تحظر على أي شركة أمريكية أن تتواجد في السودان، فقام مديرها العام بتأسيس شركة خاصة من المفترض أنها تشتري المنتجات التي تحتاجها في مناقصات إلا أن هذا لايكون، كنت جاهزاً عند العاشرة إلا أن الشركة اتصلت وأجلت الاجتماع إلى الثالثة ظهراً، هكذا بمنتهى البساطة. في السودان الوقت ليس أولوية يعيروها أدنى اهتمام، المواعيد تتغير باستمرار وليس معلوماً لا وقت البداية ولا النهاية لأي اجتماع.

قضيت وقتي مع ممثلنا في تبادل المعلومات والراحة من عناء الرحلة الباكرة، حتى ذهبنا للشركة لنقابلهم ونتبادل معهم العتب وقليلاً من اللوم. هذه الشركة، وغالب شركات ومؤسسات القطاع الحكومي، هم من جماعة التركيز في عمل واحد فقط، والاستيقاظ في اللحظات الأخيرة لاتمام الأمور. كنت متواصلاً معهم من بداية العام وعلى مدى ٣أشهر لاتمام صفقة أسمدة لهم، وفي كل شهر يتأخر الشحن لشهر آخر حتى انتهى التزامنا معهم وفق العرض فارسلنا لهم اعتذاراً عن الالتزام، بعد شهر اتصلوا بي وأخذوا يطالبوننا بالتزامنا!!! تلقيت في ذلك اليوم ٢٠ اتصالاً منهم وكان يوم خميس فأجلت الحديث إلى أن أقابلهم، ولكن المدير المسؤول تغيّب عن الحضور!!! Continue reading

معرض الرياض الدولي للمحتسبين

نعم إنه معرض للمحتسبين وليس للكتاب، وبجانب المحتسبين بعض الناس الذين جلبوا معهم كتباً ليسترزقوا ببيعها..

ذهبت البارحة إلى المعرض وأخبار المحتسبين تتواتر، ولكن لم أتوقع يوماً أن يكون الأمر بهذا السوء، كنت حتى دخولي المعرض لا أملك موقفاً لا مع الهيئة والمحتسبين ولا ضدهم، فضلت الحياد، وألا أناقش الأمر تماماً، ولكني رأيت وسمعت أشياءً لو أخبرني بها الناس ماصدقتهم..

بدأت جولتي في المعرض بالمرور على أجهزة الصرّاف، فلم يكن معي سوى ٩٠ ريالاً، وللأسف، لم يكن في المعرض إلا صرافين لبنك الرياض، أحدهما عطلان والآخر بدون مال، فدخلت لأتجول في المعرض وأرى مافيه من كتب لأشتريها لاحقاً، وساءني أن المنظمين لم يُلزموا دور النشر بكتابة قائمة الأسعار، فكلٌ على هواه، إلا أن ركن “مركز مصادر المعلومات الأمريكي” هو الوحيد الذي مررت عليه ووجدت كل شيءٍ مسعَّر. وفجأة اجتمع الجنود ورجال الأمن وأبعدوا الناس ليستقبلوا وزير الثقافة والإعلام، الذي زار داراً واحداً فقط ثم خرج مجيباً على جواله.. ولم يعد..

بين الممرات، شيخ يرتدي مشلح، يسأل شاباً لا يرتدي عقالاً: وين الكتاب؟؟

تبعتهم حتى توقفوا عند مكتبة عمانية، وأخذوا يقلبون الأوراق بين دفتي كتاب عنوانه ” الإباضية”، تركتهم وشأنهم.

لاحظت أن لكل عضو في الهيئة التي تنكر المنكر أتباع يتبعونه وينصرونه وهم له كالاستخبارات، يجوبون المعرض ليبحثوا عن “المنكرات” بزعمهم، وينكرون على الناس بغلظة، ويتناسى هؤلاء ومشائخهم أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم، وفي رأيي أن إنكارهم بحاجة إلى إنكار، واحتسابهم بحاجة إلى يحتسب عليهم، ولست أكتب أفعالهم وأنتقد تصرفاتهم تشفياً أو فضحاً إنماً تبرؤاً وغيرة والله من وراء القصد، فأفعالهم ليست هي الدين الذي أنزله الله، وهم منفرون عن الإسلام والتدين، وسلبيات عملهم أكبر من إيجابياته..

Continue reading

احتفالاتنا..

(قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا)

كان الأحباش يرقصون في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم..

دخل النبي عليه الصلاة والسلام على عائشة وعندها جاريتان تغنيان..

بدأت تدوينتي بالنصوص السابقة حتى أذكِّر أن الرقص والغناء جائزان، وفي الموسيقا خلاف، لأني لا أريد أن أتحدث هنا عن ذات الفعل إنما كيفيته.

وصل خادم الحرمين الشريفين إلى الرياض يوم الأربعاء الماضي، فابتهجت البلاد، وخرج الشباب إلى الشوارع ليعبروا عن فرحتهم، وهو خروج اعتدنا عليه مع اجازة اليوم الوطني من كل عام، يخرج الشباب إلى أشهر شارع في المدينة، فيوقفون السيارات ويتوقف السير تماماً، وتبدأ “فيديو كليبات” وحفلات تشتمل على الرقص والغناء، وليتها تقف على ذلك، بل تتعداها إلى ايذاء النساء وسرقة الجيوب وترويع الآمنين، هذا وصف ما يحصل، ولعل غالبيتكم رأى وسمع أكثر من هذا. ففي هذه الاحتفالات، يُكتب على كثير منا لزوم البيوت حتى تنقضي، فالخارج لا أحد يدري متى سيعود.

وهنا أتساءل، لماذا لا تفتح الملاعب وحلبات السباق والحدائق للشباب والعائلات؟ فينتقل كل ذلك إليها، ولماذا تتهاون الجهات الأمنية ويسمحون لهم بايقاف الطرق لساعات؟

ولماذا لا يكون لدينا ساحات واسعة تستوعب هذه الأعداد؟ وعجبي أن الساحة الوحيدة لدينا هي ساحة الصفاة (ساحة القصاص).