تركيا..الوردة الحمراء: كيف صارت القسطنطينيةُ إسطنبول؟ (٢-٢)

تحدثنا في الجزء الأول من قصة فتح اسطنبول عن البشارة النبوية وكيف كانت حافزا لحكام المسلمين لاعداد العدة ومحاولة الفتح، وتطرقنا في مجمل حديثنا عن قصة الصحابي الجليل أبو أيوب الأنصاري الذي مات ودفن بجوار أسوار المدينة العتيدة، ثم انتقلنا بالحديث إلى السلطان محمد الفاتح وكيف كانت نشأته وتربيته وتأثير شيخه فيها، وبدأنا بسرد قصة الفتح ابتداءً بالاعداد له. واليوم نكمل حديثنا من حيث توقفنا، ونكمل القصة الجميلة للفتح العظيم.


[  السلطان محمد الفاتح يقود جيش المسلمين ]

المعركة والفتح

سعى السلطان، بعد كل هذه الاستعدادات، في إيجاد سبب لفتح باب الحرب، ولم يلبث أن وجد هذا السبب بتعدي الجنود العثمانيين على بعض قرى الروم ودفاع هؤلاء عن أنفسهم، حيث قُتل البعض من الفريقين. عمل السلطان على تمهيد الطريق بين أدرنة والقسطنطينية لكي تكون صالحة لجر المدافع العملاقة خلالها إلى القسطنطينية، وقد تحركت المدافع من أدرنة إلى قرب القسطنطينية، في مدة شهرين حيث تمت حمايتها بقسم الجيش حتى وصلت الأجناد العثمانية يقودها الفاتح بنفسه إلى مشارف القسطنطينية في يوم الخميس 6 أبريل، 1453 م، الموافق 26 ربيع الأول، 857 هـ، فجمع الجند وكانوا قرابة 250 ألف جندي أي ربع مليون، فخطب فيهم خطبة قوية حثهم فيها على الجهاد وطلب النصر أو الشهادة، وذكّرهم فيها بالتضحية وصدق القتال عند اللقاء، وقرأ عليهم الآيات القرآنية التي تحث على ذلك، كما ذكر لهم الأحاديث النبوية التي تبشر بفتح القسطنطينية وفضل الجيش الفاتح لها وأميره، وما في فتحها من عز للإسلام والمسلمين، وقد بادر الجيش بالتهليل والتكبير والدعاء.

وبهذا ضرب السلطان الحصار على المدينة بجنوده من ناحية البر، وبأسطوله من ناحية البحر، وأقام حول المدينة أربع عشرة بطارية مدفعية وضع بها المدافع الجسيمة التي صنعها “أوربان” والتي قيل بأنها كانت تقذف كرات من الحجارة زنة كل واحدة منها اثنا عشر قنطارًا( القنطار=٢٥٠ كيلو، وبعض المؤرخين يقول أنها رطل وليست قنطار) إلى مسافة ميل، وفي أثناء الحصار اكتُشف قبر “أبي أيوب الأنصاري” الذي استشهد حين حاصر القسطنطينية في سنة 52 هـ في خلافة معاوية بن أبي سفيان الأموي.

[ صورة لبقايا أحد المدافع ]

وفي هذا الوقت كان البيزنطيين قد قاموا بسد مداخل ميناء القسطنطينية بسلاسل حديدية غليظة حالت بين السفن العثمانية والوصول إلى القرن الذهبي، بل دمرت كل سفينة حاولت الدنو والاقتراب. إلا أن الأسطول العثماني نجح على الرغم من ذلك في الاستيلاء على جزر الأمراء في بحر مرمرة. استنجد الإمبراطور قسطنطين، آخر ملوك الروم، بأوروبا، فلبّى طلبه أهالي جنوة وأرسلوا له إمدادات مكونة من خمس سفن وكان يقودها القائد الجنوي “جوستنياني” يُرافقه سبعمائة مقاتل متطوع من دول أوروبية متعددة، فأتى هذا القائد بمراكبه وأراد الدخول إلى ميناء القسطنطينية، فاعترضته السفن العثمانية ونشبت بينهما معركة هائلة في يوم 21 أبريل، 1453 م، الموافق يوم 11 ربيع الثاني، 857 هـ، انتهت بفوز جوستنياني ودخوله الميناء بعد أن رفع المحاصرون السلاسل الحديدية ثم أعادوها بعد مرور السفن الأوروبية كما كانت. حاولت القوات البحرية العثمانية تخطي السلاسل الضخمة التي تتحكم في مدخل القرن الذهبي والوصول بالسفن الإسلامية إليه، وأطلقوا سهامهم على السفن الأوروبية والبيزنطية ولكنهم فشلوا في تحقيق مرادهم في البداية، فارتفعت بهذا الروح المعنوية للمدافعين عن المدينة. بعد هذا الأمر، أخذ السلطان يُفكر في طريقة لدخول مراكبه إلى الميناء لإتمام الحصار برّاً وبحراً، فخطر بباله فكرة غريبة، وهو أن ينقل المراكب على البر ليجتازوا السلاسل الموضوعة لمنعها، وتمّ هذا الأمر المستغرب بأن مهدت الأرض وسويت في ساعات قليلة وأتي بألواح من الخشب دهنت بالزيت والشحم، ثم وضعت على الطريق الممهد بطريقة يسهل بها انزلاج السفن وجرها، وبهذه الكيفية أمكن نقل نحو سبعين سفينة وإنزالها في القرن الذهبي على حين غفلة من البيزنطيين.

[ السلطان محمد الفاتح والشيخ آق شمس الدين أمام الأسوار قبل الهجوم ]

استيقظ أهل المدينة صباح يوم 22 أبريل وفوجئوا بالسفن العثمانية وهي تسيطر على ذلك المعبر المائي، ولم يعد هناك حاجز مائي بين المدافعين عن القسطنطينية وبين الجنود العثمانيين، ولقد عبّر أحد المؤرخين البيزنطيين عن عجبهم من هذا العمل فقال: “ما رأينا ولا سمعنا من قبل بمثل هذا الشيء الخارق، محمد الفاتح يحول الأرض إلى بحار وتعبر سفنه فوق قمم الجبال بدلاً من الأمواج، لقد فاق محمد الثاني بهذا العمل الأسكندر الأكبر”. أيقن المحاصرون عند هذا أن لا مناص من نصر العثمانيين عليهم، لكن لم تخمد عزائمهم بل ازدادوا إقداماً وصمموا على الدفاع عن مدينتهم حتى الممات. وفي يوم 24 مايو سنة 1453م، الموافق 15 جمادى الأولى سنة 857هـ، أرسل السلطان محمد إلى الإمبراطور قسطنطين رسالة دعاه فيها إلى تسليم المدينة دون إراقة دماء، وعرض عليه تأمين خروجه وعائلته وأعوانه وكل من يرغب من سكان المدينة إلى حيث يشاؤون بأمان، وأن تحقن دماء الناس في المدينة ولا يتعرضوا لأي أذى وأعطاهم الخيار بالبقاء في المدينة أو الرحيل عنها، ولما وصلت الرسالة إلى الإمبراطور جمع المستشارين وعرض عليهم الأمر، فمال بعضهم إلى التسليم وأصر آخرون على استمرار الدفاع عن المدينة حتى الموت، فمال الامبراطور إلى رأي القائلين بالقتال حتى آخر لحظة، فرد الامبراطور رسول الفاتح برسالة قال فيها إنه يشكر الله إذ جنح السلطان إلى السلم وأنه يرضى أن يدفع له الجزية أما القسطنطينية فإنه أقسم أن يدافع عنها إلى آخر نفس في حياته فإما أن يحفظ عرشه أو يُدفن تحت أسوارها، فلما وصلت الرسالة إلى الفاتح قال: “حسناً عن قريب سيكون لي في القسطنطينية عرش أو يكون لي فيها قبر”.[53]
عند الساعة الواحدة صباحاً من يوم الثلاثاء 29 مايو، 1435م، الموافق 20 جمادى الأولى سنة 857 هـ بدأ الهجوم العام على المدينة، فهجم مائة وخمسون ألف جندي وتسلقوا الأسوار حتى دخلوا المدينة من كل فج وأعملوا السيف فيمن عارضهم واحتلوا المدينة شيئًا فشيئًا إلى أن سقطت بأيديهم، بعد 53 يومًا من الحصار. أما الإمبراطور قسطنطين فقاتل حتى مات في الدفاع عن وطنه كما وعد، ولم يهرب أو يتخاذل.

[ صور للمعركة ]

ثم دخل السلطان المدينة عند الظهر، فساد الأمن حالاً. ثم توجه إلى كنيسة آيا صوفيا وقد اجتمع فيها خلق كبير من الناس ومعهم القسس والرهبان الذين كانوا يتلون عليهم صلواتهم وأدعيتهم، وعندما اقترب من أبوابها خاف المسيحيون داخلها خوفاً عظيماً، وقام أحد الرهبان بفتح الأبواب له فطلب من الراهب تهدئة الناس وطمأنتهم والعودة إلى بيوتهم بأمان، فأطمأن الناس وكان بعض الرهبان مختبئين في سراديب الكنيسة فلما رأوا تسامح الفاتح وعفوه خرجوا وأعلنوا إسلامهم، وقد أمر الفاتح بعد ذلك بأن يؤذن في الكنيسة بالصلاة إعلانًا بجعلها مسجدًا. وقد أعطى السلطان للنصارى حرية إقامة الشعائر الدينية واختيار رؤسائهم الدينين الذين لهم حق الحكم في النظر بالقضايا المدنية، كما أعطى هذا الحق لرجال الكنيسة في الأقاليم الأخرى ولكنه في الوقت نفسه فرض الجزية على الجميع. ثم قام بجمع رجال الدين المسيحيين لينتخبوا بطريركًا لهم، فاختاروا “جورجيوس كورتيسيوس سكولاريوس”، وأعطاهم نصف الكنائس الموجودة في المدينة، أما النصف الأخر فجعله جوامع للمسلمين.
وبتمام فتح المدينة، نقل السلطان محمد مركز العاصمة إليها، وسُميت “إسلامبول”، أي “تخت الإسلام” أو “مدينة الإسلام” وهي اليوم “اسطنبول” وينطقها الأتراك: “إستانبول”.


[ صورة دخول الفاتح للمدينة ]

ما بعد الفتح

لم يفتح السلطان محمد الفاتح القسطنطينية ويعود حاملاً النصر والبشارة النبوية، بل سعى لهدف آخر بعد الفتح، سعى لأن تكون إسلام بول أجمل عاصمة في العالم، فبنى المستشفيات والمعاهد والجوامع والحدائق العامة والحمامات وقصر الباب العالي “توبكابي سراي” واهتم أيضاً بالعلم والعلماء، واهتم بالترجمة، وبالشعراء والأدباء، وبالتجارة والاقتصاد، واهتم بوضع القوانين المستمدة من الشريعة الإسلامية، واهتم بالعدل، وبالتأكيد اهتم بالجيش.
إن سيرة الفاتح رحمه الله لاتوجز في تدوينة أو مقالة، إنما تقرأ في كتاب قراءة يستمتع فيها العقل والقلب بسيرة بطل من أبطال الإسلام.

[ صورة قبر الفاتح ]


قصة الفتح اليوم

الأتراك لم يتركوا جزءًا رائعاً من تاريخهم يمضي بغير إقامة متحف له، فأنشؤوا “متحف التاريخ البانورامي ١٤٣٥”، وهو عبارة عن قبة كبيرة رسم على جدرانها تفاصيل المعركة، وفي كل جزء تنطلق الأصوات المماثلة للحدث المرسوم، بالإضافة إلى فلم كرتوني عن الفتح إلا أنه بالتركية فقط.

[صور القبة والمتحف]

رابط موقع المتحف على الشبكة


[فيديو عن المتحف]

فلم كرتوني بالعربية

قبل عدة سنوات قامت مؤسسة آلاء بانتاج قصة الفتح في فلم كرتوني رائع، أذكر أن والدي اشترى لي الشريط وعرفت القصة منه، واليوم عرفت تأثير أفلام الكرتون على الأطفال والتربية.

المصادر:

فاتح القسطنطينية السلطان محمد الفاتح – د. علي الصلابي (كتاب)

محمد الفاتح.. صاحب البشارة – إسلام أونلاين

محمد الفاتح – ويكيبيديا

فتح القسطنطينية – ويكيبيديا

فتح القسطنطينية..بشارة نبوية – منتديات التاريخ الإسلامي

الإتقان ٢ – محاضرة للدكتور عمرو خالد

Advertisements

One thought on “تركيا..الوردة الحمراء: كيف صارت القسطنطينيةُ إسطنبول؟ (٢-٢)

  1. التنبيهات: تركيا..الوردة الحمراء: آيا صوفيا « مدونة أوراق وائل

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s